منوعات وطرائف

يوم سـ.ـحق العثمانيون البريطانيين على أرض العراق!

يوم سـ.ـحق العثمانيون البريطانيين على أرض العراق!

أخبار اليوم

فريق المتابعة التحرير

حتى فاتحة القرن العشرين ظلَّ العراق بولاياته في الموصل وكركوك ثم بغداد ثم البصرة يُدار من قِبَل باشاوات إسطنبول وتركيا، قبل أن يشهد العالم تغيُّرا هائلا في موازين القـ.ـوى.

حين بدأ التنـ.ـافس على خيرات الشرق وأراضيه يحتـ.ـدم بين العثمانيين والروس والإنجليز والفرنسيين والألمان.

هنا كان الصـ.ـراعُ مُتوقَّعا على أرض الرافدين كما عرفنا من تاريخها الطويل.

لكنه صـ.ـراع البقاء بين التركي الأخير والإنجليزي الغـ.ـازي المغرور، فكانت النتيجة هي “كوت العمارة”.

فلماذا أراد البريطانيون احـ.ـتلال العراق؟ وكيف كانت خطتهم في التوغُّـ.ـل البري والعسكري؟ وكيف استطاع العثمانيون إيقاعهم في الفـ.ـخ ومحـ.ـاصرتهم طوال أشهر في منطقة كوت العمارة؟ ذلك ما سنقرؤه في قصتنا التالية.

حين بلغت الدولة العثمانية أوج قـ.ـوتها ونفـ.ـوذها في عصر السُّلطان سليمان القانوني (1520-1566) وبعض مَن تلاه من أبنائه وأحفاده، مع رغبة العثمانيين في توسيع العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع بعض الدول الأوروبية.

مُنِحت فرنسا بعض الامتيازات في التجارة ورعاية المسيحيين المشرقيين وفق اتفاقية بين الجانبين سنة 1535.

ثم رغبت بريطانيا في الحصول على مثل هذه الامتيازات خصوصا بعد تعاظم نفوذهم البحري في الخليج العربي منذ القرن السابع عشر الميلادي بعد طـ.ـرد البرتغاليين، ولهذا السبب، وبعد مفـ.ـاوضات بين العثمانيين والبريطانيين، وُضِعت اتفاقية الامتيازات البريطانية عام 1675 واستمرت حتى انتهـ.ـاء الحـ.ـرب العالمية الأولى عام 1918.

كان من جملة هذه المزايا التي حصل عليها البريطانيون سماح العثمانيين لهم بالتجارة والنقل في نهر دجلة فيما بين بغداد إلى البصرة والعكس.

وقد تزايد النفـ.ـوذ البريطاني في العراق مع النمو المُطَّرِد لتجارتهم، فترتَّب على ذلك ارتفاع منزلة الوكيل البريطاني في بغداد كلوديوس جيمس ريتش الذي حاول أن يصبح ذا نفـ.ـوذ سياسي، وهو ما تمَّ له في عهد كلٍّ من عبد الله باشا وسعيد باشا اللذين توليا منصب باشوية بغداد بمساندته وتدخُّله لدى الباب العالي.

وأدرك داود باشا الذي تسلَّم المنصب ذاته خطـ.ـورة التدخُّل البريطاني في شؤون العراق، وحاول زيادة الضـ.ـرائب على تجارة البريطانيين لكنه فشـ.ـل في ذلك، وإن استطاع طـ.ـرد ريتش من العراق سنة 1821.

لكن مع دخول الدولة العثمانية في حالة من الضـ.ـعف منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

وزيادة التنـ.ـافس بين كلٍّ من روسيا وألمانيا وفرنسا وبريطانيا على أقطار الشرق الأوسط، فقد رأت هذه الأخيرة أن السيـ.ـطرة على المضايق البحرية والطريق إلى الهند ومصافي النفط في عبادان ومناطق الأهواز في إيران هي مصالح عليا للإمبراطورية البريطانية يجب حمايتها بكل طريق ممكنة.

وأن الدولة العثمانية التي كانت تُوصَف بالرجل المريض كانت وهي في سرير مرضها وأشد لحظات ضعفها لا تزال تعوق هؤلاء الوحـ.ـوش الأوروبية والروسية عن تحقيق أهـ.ـدافهم ومراميهم في الشرق الأوسط، وعلى الرأس منها -بالنسبة إلى بريطانيا- السيطـ.ـرة على العراق.

الأمر الأخـ.ـطر بالنسبة للبريطانيين تَمثَّل في تقارب السلطان عبد الحميد الثاني (1876-1908) مع الألمان.

حيث رأى إمكانية الاستفادة من تقدُّمهم العسكري والصناعي والاقتصادي وعدم وجود أطـ.ـماع حقيقية لهم في ممتلكات الدولة العثمانية إذا ما قُورِنوا بالفرنسيين أو البريطانيين أو الروس.

ولهذا السبب حَلَم السلطان عبد الحميد بمد مشروع للسكك الحديدية من برلين إلى بغداد لزيادة التبادلات التجارية بين الجانبين.

ولربط المدن العثمانية في الأقطار العربية في الشام والعراق بالأناضول، كما عمل على التوازي على مشروع سكك حديد الحجاز للأمر نفسه، ولتيسير الزيارة والتنقُّل على الحُجاج والمعتمرين.

كان مشروع قطار برلين – بغداد يُمثِّل خطـ.ـورة وكـ.ـارثة على المصالح الإستراتيجية لبريطانيا في الشرق الأوسط والخليج

لأنه يُقرِّب غريـ.ـمها التقليدي، ألمانيا، من أهم وأعظم ممتلكاتها في العالم وهي الهند، وتجعلهم يسيطـ.ـرون على طرق التجارة في الخليج العربي

ولهذا السبب عملت بريطانيا طوال القرن التاسع عشر والثلث الأول من القرن العشرين على استكشاف شعوب وقبائل وعادات وجغرافيا الشرق الأوسط في الشام والعراق والجزيرة العربية من خلال مجموعة من كبار الرحالة والمستشرقين والباحثين.

الذين عملوا لصالح المخـ.ـابرات البريطانية طوال هذه المدة، ولمع بين هؤلاء في الجزيرة العربية والشام توماس لورانس الذي اشتهر بلورنس العرب (1935).

وفي العراق جرترود بِل (1926)، وكلاهما ممن درس التاريخ والآثار في جامعة أكسفورد، واستُدعيا للعمل في مكاتب المخـ.ـابرات والخارجية البريطانية في الشرق الأوسط ضمن مكتبَيْ القاهرة والهند.

طوال أكثر من سبعة عشر عاما، استكشفت جرترود بِل بلدان وقبائل العراق والشام وشمال الجزيرة العربية وإيران.

وتعلَّمت الفارسية والعربية بطلاقة، وفي عام 1913 قامت برحلة من دمشق عبر صحراء النفوذ إلى حائل وعادت عن طريق بغداد وتد.مر.

وقد رسمت المناطق التي مرَّت بها في خرائط تفصيلية بيَّنت عليها الكثير من المعلومات عن القبائل وأماكن المياه، فمنحتها لهذا السبب الجمعية الجغرافية البريطانية ميدالية ذهبية.

وعندما نشـ.ـبت الحـ.ـرب العالمية الأولى في أغسطس/آب 1914، كانت جرترود بِل في إنجلترا

وكتبت في سبتمبر/أيلول من العام نفسه تقريرا إلى الكابتن ديدس (Deedes) في إدارة العمليات العسكرية الذي رفعه بدوره إلى سير إدوارد جراي وكيل وزارة الخارجية البريطانية

وقد شرحت جرترود في تقريرها الحالة السياسية في الجزيرة العربية والشام والعراق، ولم يكن تقريرها يصف الشخصيات والجماعات والاتجاهات السياسية في الأقاليم العربية من الدولة العثمانية وحسب

ولكن أهميته تَمثَّلت في تنبؤها بردة الفعل المُتوقَّعة لهذه الجمـ.ـاعات والشخصيات العربية في حالة دخول العثمانيين الحـ.ـرب ضـ.ـد بريطانيا.

أفاضت جرترود بِل في الحديث مُستشرفة رد فعل آل صُباح في الكويت، وخزعل الكعبي أمير المحمرة في الأهواز، والسعوديين في نجد، وخريطة الشخصيات النافذة في العراق.

فالسيد طالب النقيب الهاشمي القرشي، أحد كبار رجالات البصرة، وأحد المقربين من الدولة العثمانية، سيكون “مصدرا للمتـ.ـاعب، وهو لم يتلقَّ عونا منا، ولكن تجارنا كانوا على علاقات طيبة معه” كما تقول في مذكراتها.

وتُشير جرترود أيضا في تقريرها إلى أن “كلًّا من الزعـ.ـيمين العربيين عبد القادر الخضيري الشمّري باشا في بغداد والسيد طالب باشا النقيب في البصرة يتمتع بنفوذ كبير في إقليمه يفوق نفوذ الباشا التركي (الوالي العثماني)”.

وقد أدركت المخـ.ـابرات البريطانية أهمية ما كتبته جرترود بِل ورفعته إلى الإدارة البريطانية، إذ جاء متوافقا و”أكَّدته تماما التقارير التي يبعثها المفـ.ـتشون البريطانيون في الأقاليم العربية”.

ولهذا السبب استُعين بها في مكتب القاهرة البريطاني، ثم اتجهت إلى الهند لمحاولة تقريب وجهات النظر بين مكتبَيْ القاهرة والهند البريطانيين اللذين كانا على اختـ.ـلاف في وجهات النظر في جدوى إثـ.ـارة العرب ضـ.ـد الدولة العثمانية من عدمها.

فبينما رأى مكتب القاهرة بزعامة لورنس وجرترود ذلك، كان مكتب الهند بزعـ.ـامة برسي كوكس والكابتن شكسبير يرى عدم ضرورة ذلك، لأن استثارة العرب قد يتسبَّب في تنامي دعوات القومية العربية ويزعـ.ـزع المصالح البريطانية في المنطقة فيما بعد.

أدرك البريطانيون منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر خـ.طورة التقارب العثماني الألماني على المصالح البريطانية، سواء على صعيد تحديث الجـ.ـيش العثماني أو في مشاريع إنشاء السكك الحديدية مثل خطوط الحجاز وبرلين – بغداد.

ولهذا السبب وغيره، ما إن اندلـ.ـعت شـ.ـرارة الحـ.ـرب العالمية الأولى في أغسطس/آب 1914 إلا وأصدرت الحكومة البريطانية إلى مكتب حكومة الهند التي كانت تحـ.ـتلها بريطانيا منذ عام 1857 أمرا بإرسال حملة عسكرية إلى الخليج العربي

هـ.ـدفها حماية مصافي النفط البريطانية في عبدان وإيران، واحتـ.ـلال البحرين، ثم العراق الذي كان خـ.ـاضعا لحكم الدولة العثمانية آنذاك.

وبالفعل انطـ.ـلقت الحملة العسكرية البريطانية من بومباي في الهند في 19 أكتوبر/تشرين الأول 1914 بقيادة الجنـ.ـرال ديلامين ووصلت إلى البحرين واحتـ.ـلتها بسهولة

ثم تقدَّمت إلى شط العرب وقصـ.ـفت بلا هوادة المواقع العراقية والعثمانية، وفي 6 نوفمبر/تشرين الثاني استطاعت النزول إلى البر قُرب شط العرب وتمكَّنت من احتـ.ـلال منطقة الفاو.

وقد حاول بيرسي كوكس الذي كان يُرافق الحملة بوصفه رئيسا للحُكَّام السياسيين البريطانيين في منطقة الخليج استقطاب العراقيين عبر إصدار بيان جاء فيه:

“ليكن معلوما للجميع بأن الحكومة البريطانية لا تخـ.ـاصم السكان العرب المقيمين على ضفتَيْ الشط، وعليهم ألا يخافوا من شيء؛ لأننا لن نتعـ.ـرَّض لهم ولا لأموالهم إذا وقفوا معنا موقفا ودّيا، ولم يؤوا الجـ.ـنود الأتراك أو يحملوا السـ.ـلاح علنا”.

وبعد هجـ.ـوم عنـ.ـيف قـ.ـاسٍ تمكَّنت القـ.ـوات البريطانية من احتـ.ـلال البصرة في 22 نوفمبر/تشرين الثاني 1914،

وانسـ.ـحبت القـ.ـوات العثمانية التركية والعشائر العربية المؤيدة لها باتجاه الشمال، وقد أدرك البريطانيون أن اكتمال نفوذهم في الشرق الأوسط، وتأمين طرق المواصلات بين بريطانيا والهند، ومـ.ـنع الألمان والروس من السيـ.ـطرة على العراق

والقضـ.تاء نهـ.ـائيا على الخـ.ـلافة العثمانية التي دخلت في طور الضـ.ـعف بعد الانقـ.ـلاب على السلطان عبد الحميد عام 1908، وتأمـ.ـين مصافي النفط في عبَدان في إيران وجنوب العراق، يُحتِّم عليهم الاستمرار في تقدُّمهم نحو الشمال للسيـ.ـطرة على العاصمة بغداد.

أدَّى احتـ.ـلال البصرة بسهولة إلى شعور الإنجليز بالزهو، واستطاع مكتب الهند البريطاني أن يقنع المسـ.ـؤولين في لندن بأهمية مواصلة الحملة لاحتـ.ـلال معظم الأراضي العراقية

فعُيِّن أحد الجنـ.ـرالات المخضرمين وهو الجنـ.ـرال السير جون نيكسون لقيادة حملة “ما بين النهرين” في 9 إبريل/نيسان عام 1915

وأدَّى ذلك إلى موافقة حكومة الهند على تقدُّم القـ.ـوات البريطانية شمالا، لكن ما لم يُدركه البريطانيون أن العثمانيين كانوا يُعِدُّون لهم فخـ.ـا في الشمال.

كانت المناطق الواقعة بين البصرة وبغداد تتميز بكثرة المستنقعات ووعورة الطريق ما بين أوحال وصحارٍ، فتقدَّم الإنجليز بقيادة الجنـ.ـرال نيكسون يعاونه الجنـ.ـرال تشارلز تاونسند حتى وصلوا إلى منطقة سلمان باك على مقربة من ثلاثين إلى أربعين كيلومترا جنوب بغداد.

وهناك وقـ.ـع الإنجليز في فـ.ـخ العثمانيين الذين باغـ.ـتوهم في معـ.ـركة ضـ.ـارية في شهر نوفمبر/تشرين الثاني من عام 1915

فتلقى البريطانيون ضـ.ـربة قـ.ـاصمة اضـ.ـطرتهم للتقـ.ـهقر صوب مدينة الكوت التابعة لمحافظة واسط جنوب بغداد بـ 180 كم

وهناك استطاع الجـ.ـيش العثماني بقيادة خليل باشا إطباق الحـ.ـصار الخـ.ـانق على فلول القـ.ـوات البريطانية المنـ.ـهزمة بقيادة تاونسند.

حاول البريطانيون مرارا إرسال قـ.ـوات مُسـ.ـلَّحة لفك الحـ.ـصار عن حملتهم الفـ.ـاشلة، لكنهم رُدوا على أعقابهم

وبدأ المحـ.ـاصرون في السقـ.توط من الجوع والعطش وانتشار الأمراض، وحاول البريطانيون فك الحـ.ـصار عن طريق دفع فدية بلغت مليون ريال ذهبي

لكن العثمانيين رفـ.ـضوا، واستمر حصـ.ـار الكوت مئة وستة وأربعين يوما، في نهايتها اضـ.ـطر البريطانيون إلى التفـ.ـاوض على شـ.ـروط الاسـ.ـتسلام في 26 إبريل/نيسان 1916، حيث أصـ.ـرَّ الأتراك على الاسـ.ـتسلام الكامل بدون شـ.ـروط

فأُخذ قـ.ـائد الجـ.ـيش اللـ.ـواء تشارلز تاونسند أسيـ.ـرا إلى إسطنبول، وسيق الجنـ.ـود البريطانيون إلى بغداد ومنها إلى الأناضول حيث عملوا في السخرة وفي بناء خط سكة حديد (برلين – بغداد)، وهناك قضـ.ـى الكثيرون منهم نحبهم بسبب المرض والأعمال الشاقة.

كانت هذه الهـ.ـزيمة ضـ.ـربة مُذِلّ.َة للإمبراطورية البريطانية وهي في عنفوان قـ.ـوتها؛ حيث سقـ.ـط خلالها ما يقرب من 30 ألف قتـ.ـيل بريطاني

وفي ذلك يقول المؤرخ الأميركي ديفيد فرومكين في كتابه “سلام ما بعده سلام” عن الجـ.ـنود البريطانيين المـ.ـأسورين إنهم “سيقوا إلى مسيرة مـ.ـوت قطـ.ـعوا خلالها مئة ميل إلى بغداد وخمسمئة ميل أخرى إلى الأناضول

وهناك أُرغـ.ـموا على العمل في بناء السكك الحديدية وهم مقيدون بالسـ.ـلاسل، ولم يبقَ منهم على قـ.ـيد الحياة سوى عدد قليل

لقد مُنيت قـ.ـوات تاونسند بأكثر من 10 آلاف إصـ.ـابة منذ بدء زحفها نحو بغداد وحتى اسـ.ـتسلامها، ومُنيت القـ.ـوات البريطانية التي جاءت لإنقـ.ـاذها في كوت العمارة بثلاثة وعشرين ألف إصـ.ـابة…

كانت هذه مذ.لة قومية أخرى حلَّت ببريطانيا على يد عـ.ـدوّ عثماني كان المسـ.ـؤولون البريطانيون يعتبرونه دائما عديم الفاعلية، وكان المكتب البريطاني في القاهرة يعتزم سحـ.ـقه بواسطة عمل تخـ.تريبي داخلي في وقت لاحق من عام 1916″

المصدر: الجزيرة نت

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى