صحة وتغذيةمنوعات وطرائف

انهـ.ـيار الإرادة.. لماذا نستسـ.ـلم لإغـ.ـراء الحلوى والسكريات؟

انهـ.ـيار الإرادة.. لماذا نستسـ.ـلم لإغـ.ـراء الحلوى والسكريات؟

أخبار اليوم

فريق التحرير

إرادة تحت القـ.ـصف

هل يمكن أن تكون مصـ.ـابا بما يسمى “إجـ.ـهاد القرار (Decision fatigue)”؟ إنه الضـ.ـغط العقلي والعاطفي الناتج عن اتخاذ القرارات المتعددة، أنت تواجه العديد من القرارات يوميا: ماذا ترتدي؟ ماذا تتناول للإفطار؟ أي طريق تسلك للعمل؟ والمئات من القرارات الصغيرة المتناثرة هنا وهناك، ناهيك بالقرارات المصـ.ـيرية التي قد تضـ.ـطر لاتخاذها، والتي قد تجعلك منـ.ـهكا تماما بنهاية اليوم، ويبدو أن الحضارة تؤدي دورا لا بأس به في ذلك، إذ تمنحك خيارات لا نهائية في كل جوانب الحياة مع كل لحظة.

يندرج مصطلح إجـ.ـهاد القرار تحت فكرة أكبر، وهي “استنـ.ـزاف الإرادة (Ego depletion)”. صاغ هذا المصطلح “روي باومايستر”، عالم النفس الاجتماعي بجامعة “كيس ويسترن ريزيرف” في أواخر التسعينات، بعد إجرائه تجربة مثيرة مع مجموعة من الباحثين بالجامعة نفسها، اشتهرت باسم “تجربة بسكويت الشيكولاتة والفجل”.

خلال التجربة، وُضعت مجموعة من الأشخاص داخل غرفة تحتوي على طبق من بسكويت الشوكولاتة المخبوز حديثا وذي الرائحة النفاذة، وطبق آخر من الفجل الأحمر والأبيض غير المغـ.ـري على الإطـ.ـلاق، وقُسِّمت عينة الاختبار إلى مجموعتين، على إحدى المجموعتين أن تأكل بسكويت الشيكولاتة فقط، بينما المجموعة الثانية عليها أن تأكل الفجل فقط

بعد هذا، طُلب من المشاركين الأصليين، بالإضافة إلى مجموعة ثالثة لم تتناول أي شيء، حل أحجية مستحيلة لقياس الوقت الذي سيستغرقه المشاركون قبل أن يعلنوا استسـ.ـلامهم وفشـ.ـلهم في حلها.

كانت النتائج التي أحدثت ثـ.ـورة في وقتها تقترح أن المشاركين، الذين بذلوا جهدا في التحكم في الذات ليأكلوا الفجل بينما رائحة البسكويت الطازجة تعبق المكان، كانوا أسرع في الاستسـ.ـلام من المجموعتين الأُخريين.

وتم بناء النظرية التي تفترض أن قـ.ـوة الإرادة لها مخزون محدد داخل المخ وإذا استُهلِك في مهـ.ـمة معينة، فلن تستطيع استخدامه في مهـ.ـمة أخرى تتطلب تحـ.ـكما في الذات.

استُشهـ.ـِد بهذه الدراسة في 3000 ورقة بحثية لاحقة، وخلال العشرين عاما التالية للدراسة أصبح هناك مجال كامل في علم النفس الاجتماعي مبني على هذه الفكرة.

ليمونادة بدون سكر

على الرغم من أن نظرية “استنـ.ـزاف الإرادة” تبدو بديهية ومنطقية، فإنها واجهت الكثير من الانتقـ.ـاد والتشكيك في السنوات الأخيرة.

بدأ الأمر عندما قرر “إيفان كارتر”، طالب الدراسات العليا بجامعة ميامي، إعادة تجربة الليمونادة الشهيرة، التي تفترض أن عصير الليمون المضاف إليه السكر يستطيع أن يعكس تأثير استنـ.ـزاف الإرادة ويمنحك الحيوية من جديد.

قام كارتر بالتجربة على عينة كبيرة من المشاركين، وتوصل إلى أن الأمر مجرد خـ.ـدعة، وأنه لا يوجد ما يثبت أن الجسم يستطيع امتصاص السكر بهذه السرعة لتغذية المخ، كما أن المخ لا يستهلك أي سكر إضافي عندما يقوم بعمليات عقلية معـ.ـقدة كما هو شـ.ـائع.

هذه النتائج دفعته للتشـ.ـكيك في النظرية كلها، فقام عام 2010 بمراجعة عشرات الدراسات التي أيدت النظرية، وتوصل إلى أنها لا تثبت بشكل قطـ.ـعي صحتها.

اتبعت التجارب الثلاث السيناريو نفسه تقريبا، أولا، حُدِّد المشاركون الذين يؤمنون بأن الإرادة محـ.ـدودة، وأولئك المؤمنون بأن الإرادة غير محـ.ـدودة.

ثانيا، أُعطي بعض أفراد المجموعتين مشروب ليمون محلّى بالسكر، والبعض الآخر مشروب ليمون بمُحَلٍّ صناعي خالٍ من السعرات، وخلال 10 دقائق، وهى المدة التي تدعي تجربة الليمونادة أن تأثير السكر على المخ يحدث خلالها، خـ.ـضغ الجميع لبعض المهـ.ـام التي تتطلب التحكم في الذات.

مثل كتابة قصة دون استخدام أحرف معينة، والهـ.ـدف من هذه المـ.ـهام هو استنـ.ـزاف مخزون الإرادة.

في المرحلة التالية، أُخضِع المشاركون لمهـ.ـمة أخيرة لإثبات ما إذا كانت إرادتهم نفدت أم لا، ثم قورن الوقت المستغرق من كلا الفريقين وقِيس تأثير مشروب الليمون على الأداء.

رجّحت النتائج أن الإرادة تعتمد بشكل أكبر على الاعتقاد الشخصي للفرد بلانهائية الإرادة أو بقابليتها للفناء، عوضا عن وجود مخزون محـ.ـدود قابل للنفاد.

وفي حين تشابهت النتائج المرتفعة للمجموعات التي تناولت مشروب الليمون المحلّى بالسكر، رغـ.ـم اخـ.ـتلاف اعتقاداتهم، إلا أن المجموعة المؤمنة بمحدودية الإرادة أدت بشكل أسـ.ـوأ في جميع الاختبارات عن المجموعة المؤمنة بعدم محدوديتها، وذلك عند تناول مشروب الليمون الخالي من السعرات.

تثبت هذه الدراسة أن تأثير السكر على القدرة على التحكم في الذات يعمل فقط لدى الأفراد المؤمنين بمحـ.ـدودية الإرادة.

إذن، ربما تكون استسلمت للعلكة فقط بسبب اعتقادك أن إرادتك قابلة للنفاد.

عقبـ.ـات في طريق أهـ.ـدافك

يمكننا أيضا تفسير سلوكك من منظور مختلف، أنت الآن في طريقك لشراء احتياجات المنزل، وأمامك خيار من اثنين، إما أن تُعِدّ قائمة مسبقة بما يحتاجه المنزل فعلا أو أن تذهب بلا خطة وتعتمد على القرارات اللحظية في الشراء.

هذا ما يسمى بالنظام المزدوج للسلوك (Dual system models of behavior) ويفترض أن سلوك الإنسان مبني إما على التفكير المتمهل أو الاندفـ.ـاع اللحظي.

التفكير في القرارات يتطلب مجهودا ذهنيا وتحكما واعيا في الذات، بينما القرارات الاندفـ.ـاعية تُعتبَر شبه أتوماتيكية وتحدث بشكل فوري دون تفكير أو مقـ.ـاومة بمجرد تحفيزها، ونوع القرار الذي تتخذه يؤثر مباشرة على تحقيقك لأهـ.ـدافك.

أن تلتزم بقائمة الشراء وتحافظ على انتباهك من التشتت بين مئات المنتجات المحيطة بك يتطلب بذل مجهود ذهني لمقـ.ـاومة هذه الإغـ.ـراءات، بينما لو اعتمدت على ردود فعلك الاندفـ.ـاعية، فمجرد رؤية أكياس البطاطس المقلية المتراصـ.ـة أمامك سيجعلك تمد يدك وتملأ عربة التسوق بها دون تفكير.

النتيجة النهائية التي ستصل إليها عند طابور الدفع هي أنك في الحالة الأولى ستحـ.ـقق الهـ.ـدف الذي جئت من أجله، وفي الحالة الثانية لن تحـ.ـقق الهـ.ـدف كاملا ببساطة؛ لأنك حتى لو نجحت في شراء كل المستلزمات التي تحتاجها حقا بالإضافة إلى مشترياتك العشوائية، فعلى الأغلب أنك لم تلتزم بالميزانية المحـ.ـددة

لكن، ماذا لو كان الأمر يتعلق بالمغـ.ـريات نفسها ولا يتعلق بك أنت؟ لدراسة هذا الاحتمال قام الباحثان مارينا ميليافسكايا ومايكل إنزليخت، في الدراسة المنشورة عام 2017 في دورية سوشيال سيكولوجيكال آند برسوناليتي ساينس (Social Psychological and Personality Science)، بإحضار 159 طالبا في السنة الأولى في جامعة ماكجيل (McGill University) الكندية ممن يمتلكون هواتف ذكية.

اُخضِـ.ـعوا لاختبارات مبدئية للشخصية ومقياس للتحكم في الذات، ثم طُلب من كلٍّ منهم تحديد 4 أهـ.ـداف للعمل عليها خلال الفصل الدراسي الأول.

وخلال 7 أيام، كان تُرسَل استبانات في أوقات عشوائية لقياس الإغـ.ـراءات التي تعرض لها الطلاب على مدار اليوم وكيفية استجابتهم لها.

أراد الباحثان دراسة التحكم في الذات واستنـ.ـزاف الإرادة في بيئة حقيقية خارج المعمل، ثم كانت الخطوة الأخيرة، أُخـ.ـضع الطلاب لاستبيان أخير عن الأهـ.ـداف التي حقـ.ـقوها خلال الفصل الدراسي.

استنتج الباحثان أن المغـ.ـريات كان لها دور مباشر فيما يسمى باستنـ.ـزاف الإرادة، ما يعني ارتباطها بمعدلات أداء أقل في تحـ.ـقيق أهـ.ـداف الفرد.

المثيـ.ـر في النتائج أن المغـ.ـريات في هذه الحالة كانت العامل الوحيد المؤثر في عد.م تحـ.ـقيق الأهـ.ـداف، فالرفوف المليئة بأكياس البطاطس المقلية وألواح الشوكولاتة بجوار منصـ.ـة الدفـ.ـع دفعتك لتخطي الميزانية المحـ.ـددة، بينما بذل الجهد في التحكم بالذات لم يكن ليساعدك على تحـ.ـقيق هـ.ـدفك.

يبدو إذن أن تحـ.ـقيق الأهـ.ـداف يتأثر سلبيا بالتعـ.ـرض للمغـ.ـريات، وليس بمقـ.ـاومتها أو التحكم بها.

من النتائج غير المتوقعة للدراسة أيضا أن الطلاب أبلغوا عن الشعور بالإرهـ.ـاق لدى مواجـ.ـهة العديد من المغـ.ـريات، سواء حاولوا أن يتحكموا فيها أم لا، ما يرجّح أن مجرد وجود مغـ.ـريات تتعـ.ـارض مع أهـ.ـدافك كافٍ لإصـ.ـابتك بالإرهـ.ـاق، سواء استسلمت لها أم قـ.ـاومتها.

إغـ.ـراء أن تشاهد حلقة أخرى من مسلسلك على نيتفلكس قبل إنهـ.ـاء الاستذكار، أن تتناول قطعة أخرى من البسكويت بينما تتبع حمية غذائية، أن تلعب لعبة على هاتفك بينما عملك ينتظرك، هذا الإغـ.ـراء هو ما يجعلك تشعر بالإرهـ.ـاق أو استنـ.ـزاف الإرادة، فماذا لو أزلنا هذه المغـ.ـريات من الأساس؟!

في تجربة المارشميلو الشهيرة عام 1970، والتي تتوافق نتائجها إلى حـ.ـد كبير مع الدراسة السابقة، أثبت “والتر ميشيل (Walter Mischel)”، عالم السيكولوجي الأميركي ذو الأصول النمساوية، أن تفادي المغـ.ـريات بدلا من مقـ.ـاومتها أو المحاولة النشطة للتحكم في الذات هو ما ساعد الأطفال على النجاح في التجربة وعدم تناول المارشميلو.

قام الأطفال الناجحون في التجربة بتشتيت أنفسهم والنظر بعيدا عن الطبق أو الغناء وتكرار الأرقام، بدلا من التحديق بقطعة المارشميلو ومحاولة مـ.ـنع أنفسهم من تناولها.

استمر الباحثون في متابعة الأطفال الذين شاركوا في التجربة لمدة 40 عاما، ووجدوا أن الناجحين في الاختبار كانوا الأكثر قدرة على الوصول لأهـ.ـدافهم فيما بعد، حيث كانوا الأفضل في تجـ.ـاوز الجامعة وكسب دخل مرتفع وأقل عرضة لزيادة الوزن

أنت سيد مصـ.ـيرك

قد تنجح حيلة التشتـ.ـيت وإز.الة المغـ.ـريات من حولك فيما يتعلق بمشاهدة التلفاز أو اللعب بهاتفك، فيمكنك دوما وضع الهاتف خارج غرفة الاستذكار أو وضع قفل إلكتروني بمؤقِّت على التطبيقات الأكثر استخداما، أو إلغـ.ـاء اشتراكك في خدمات بث الفيديو.

وإز.الة كل الأطعمة غير الصحية من المنزل، ولكنك لن تستطيع دوما التحكم في البيئة المحيطة بك، كيف تتجاهل المغـ.ـريات في المتجر أثناء التسوق؟ بل كيف تواجه المائدة المليئة بما لذ وطاب من أصناف الطعام عندما تُدعى إلى العشاء وأنت تتبع حمية غذائية؟ هناك نظرية أخيرة قد تساعدك.

تفيد نظرية تقرير المصـ.ـير (Self-determination theory) بأن الذات تتغذى على الاحتياجات الأساسية من الاستقلالية والكفاءة، وتحـ.ـقيق هذه الاحتياجات يضمن للذات الحيوية (Vitality). والحيوية هنا عكس استنـ.ـزاف الإرادة، أي أن يمتلك الفرد فائضا من الطاقة يمنحه القدرة على تحـ.ـقيق أهـ.ـدافه.

لذا، يمكن القول إن الفرد يستطيع الوصول إلى هـ.ـدفه إذا ما كان يتحرك بدوافـ.ـع داخلية نحو أهـ.ـداف تهـ.ـمّه هو، على عكس الأشخاص الذين يقومون بمـ.ـهام مملة بالإجـ.ـبار.

يبدو هنا أن الدوافـ.تع الداخلية التي تمنح الفرد الحيوية تساعده أيضا على عدم التأثر بالمغـ.ـريات.

إن كنت تتبع حمية غذائية من تلقاء نفسك وأنت مؤمن بأهميتها من أجل صحتك، وإن كنت مقتنعا أن لوح الشيكولاتة يحتوي على العديد من المكونات الضـ.ـارة بخـ.ـلاف السكر، حينها لن تجد مشـ.ـكلة في تجاهل الحلوى بينما تنتظر دورك فى طابور الدفع

إذن، قـ.ـوة الإرادة لا تعني أن تبذل مجهودا ذهنيا خارقا للتحكم في ذاتك، أو لمـ.ـنع نفسك عن سلوك تعرف أنه قد يضـ.ـرك، لكن بالأحرى تتمحور حول تكتيكات التحكم بالذات الفعالة، وحول القدرة على انتظار “الإشباع المؤجل”، وهو في حالتنا ادخار أموالك والحفاظ عليها، بدلا من السعي وراء “المكافأة الفورية” التي يعطيك إياها لوح الشيكولاتة.

لذلك يتطلب الإقلاع عن الإد.مان -على سبيل المثال- أن يقوم المتعافى بتغيير الأماكن والأشخاص والأشياء التي ترتبط بتعاطي المادة المخـ.ـدرة، بدلا من الاعتماد على قـ.ـوة الإرادة وحدها للتحكم في الذات بينما هو محاط بأصدقاء مد.منين.

في المرة القادمة التي تذهب فيها للتسوق، تذكر أنك سيد إرادتك، وأنك جئت من أجل هـ.ـدف واضح لن تحيد عنه.

المصدر: الجزيرة نت

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى