أخبار اليوم

سنوات الانقـ.ـلاب والخـ.ـديعة.. خبايا دولة الد م الأسدية.. فضـ.ـائح وشهادات جديدة

سنوات الانقـ.ـلاب والخـ.ـديعة.. خبايا دولة الد م الأسدية.. فضـ.ـائح وشهادات جديدة

أخبار اليوم

فريق المتابعة والتحرير

في بداية القـ.ـرن العشرين كانت الأقطار العربية تعيش حالة من الغـ.ـليان والصد مة، غـ.ـليان بسبب السياسات الخاطئة التي تعرّضت لها من قِبل العثمانيين في فترة حكومة الاتحاد والترقي تارة.

ومن قِبل العرب أنفسهم تارة أخرى، وهم الذين اتَّحد جزء مهم منهم مع السياسة البريطانية في المنطقة التي هـ.ـدفت إلى السيطرة على تلك البلدان واحتلالها وتفكيكها على أساس عِرقي وقومي، وبسبب تبدل العالم القديم وإمبراطورياته في خضم الحـ.ـرب العالمية الأولى (1914-1918م)، وصعود القوتين الإنجليزية والفرنسية، فقد قرّر هؤلاء تقسيم الأقطار العربية وفق اتفاقية “سايكس – بيكو” الشهيرة في العام 1916م.

كانت سوريا من جملة البُلدان التي تعرضت على الدوام إلى تيارات من الهجرات والحـ.ـروب والمواجـ.ـهات لكونها ضمن أقطار “الهلال الخصيب” التي طمعت فيها الإمبراطوريات على الدوام منذ أقدم العصور، الأمر الذي جعلها ملتقى للهجرات، وموطنا لكثير من الأقليات.

وقد لعبت تلك الدول التي احتلت الأقطار السورية والشامية في العموم بهذا الملف الطـ.ـائفي، لا سيما في العصر الحديث، طبقا لمصالحها السياسية والفكرية، وضـ.ـربا لأي وحدة بين هذه “الفسيفساء”، الأمر الذي أدّى إلى نتائج كـ.ـارثية في تاريخ سوريا الحديث.

فكيف نشأت المسألة الطـ.ـائفية والأقـ.ـلوية في سوريا الحديثة؟ وكيف دخلت هذه الطـ.ـوائف طوال عقود في حـ.ـرب تكسير عظام؟ وما النتائج التي ترتبت عليها؟ وما أبرز الطـ.ـوائف التي سيطرت على الدولة السورية؟ وكيف وقع هذا الأمر ولماذا؟.

خلال القرن التاسع عشر تأثَّر وضع الأقـ.ـليات الدينية بصورة قوية نتيجة التدخلات السياسية في الشؤون الداخلية للدولة العثمانية من قِبل فرنسا وإنجلترا وروسيا الذين فرضوا أنفسهم حماة للأقـ.ـليات الدينية.

فادّعت فرنسا لنفسها حق حماية المسيحيين الموارنة في لبنان، وادّعت الحكومة الروسية لنفسها حقا مماثلا في حماية المسيحيين الروم الأرثوذكس التابعين للسلطان العثماني، بينما استأثرت بريطانيا بعلاقات طيبة خاصة مع الدروز واليهود.

من جانب آخر جلبت لهم هذه الحماية الأجنبية كـ.ـراهية عميقة من جانب الدولة العثمانية، بل وغالبية السكان من المسلمين السُّنة الذين اعتبروا بعضهم -كما يقول المؤرخ ألبرت حوراني- “خونة محتملين، ومصدر ضـ.ـعف، وعملاء للسياسة الأوروبية، وخطـ.ـرا على الإمبراطورية العثمانية والأمة الإسلامية بوجه عام”، وهكذا أدّت الشـ.ـائعات والتدخلات الأجنبية في ذلك القـ.ـرن إلى سـ.ـوء العلاقات بين الأقليات الدينية في سوريا.

وحين انهـ.ـزمت الدولة العثمانية في الحـ.ـرب العالمية الأولى (1914-1918م)، وأُجبـ.ـرت قواتها على الرحيل من سوريا في شهور سنة 1918م، وكانت القـ.ـوات العربية التابعة للشريف حسين متحالفة مع الإنجليز في المنطقة العربية بقيادة أبنائه فيصل وعبد الله.

فإن فيصل بن الحسين قد أُعلن ملكا دستوريا على سوريا في الأول من أكتوبر/تشرين الأول سنة 1918م، لكن سرعان ما انقلبت فرنسا وبريطانيا على هذا الاتفاق مع العرب، وأنفذوا اتفاقهم الشهير “سايكس بيكو” لتقع سوريا ولبنان تحت الانتـ.ـداب الفرنسي في 24 يوليو/تموز سنة 1920م والذي سيستمر 26 عاما ذاقت فيه سوريا ويـ.ـلات الاحتـ.ـلال الفرنسي وألاعيبه الخـ.ـبيثة.

ففي عهد الانتداب الفرنسي حُـ.ـرِّضت الولاءات الطـ.ـائفية عمدا لكي تمنع أو تحدّ من ظهور الدولة السورية المستقلة، ومن ناحية أخرى شُجِّعت ظاهرة الانفـ.ـصالية والتخـ.ـصصية بين الأقـ.ـليات الدينية والقومية عن طريق منحهم حكما ذاتيا في المناطق التي كانت تُشكِّل فيها تلك الأقليات الغالبية المحلية.

وبناء على هذه السياسة فإن منطقة اللاذقية والتي تنحاز الغالبية فيها إلى العـ.ـلويين، ومنطقة جبل الدروز التي يغلب فيها الطائفة الدرزية، كانتا لهما حكومتهما لفترة ما أثناء الاحتـ.ـلال الفرنسي، وكانتا تُعتبران مستقلتين بحكم ذاتي عن الجمهورية السورية، وقد أُعلن تحت سيادة الاحتـ.ـلال.

أما منطقة الجزيرة في الشمال الشرقي حيث مثَّلت الجاليات المسيحية قوة لا يُستهان بها، وحيث كان الأكراد بالنسبة لهم أغلبية محلية، فلم يحصلوا على حكم ذاتي رسميا تحت الاحـ.ـتلال الفرنسي، بل وُضِعت المنطقة تحت حكم الإدارة الفرنسية المباشرة، وشُجِّعت تطلُّعات الأكراد نحو تحقيق حُكم ذاتي.

ويرى المستشرق الهولندي نيقولاس فان دام أنه كجزء من سياسة “فَرِّق تَسُد” فقد شجّع الفرنسيون تجـ.ـنيد فصـ.ـائل خاصة من العلويين والدروز والأكراد والشراكسة والأقليات الأخرى الذين شكّلوا بعد ذلك ما عُرف باسم “القوات الخاصة للشرق الأدنى”.

والتي استُخدمت لحفظ النظـ.ـام وقـ.ـمع الفـ.ـتن الداخلية، ونظرا لأن هذه القوات كانت مُشكّلة من الأقـ.ـليات فقد زاد هذا من شعور الاستيلاء بين الأغلبية السنية التي تتحدث العربية، كما أُثيرت الخـ.ـلافات بين الأقليات الدينية والعِرقية عن طريق الفرنسيين الذين كانوا يُناصرون قائدا عشـ.ـائريا ضـ.ـد الآخر، وقد ظل نظـ.ـام “المجتمع المغلق” الذي يقوم على تنـ.ـاحر الطـ.ـوائف وصعودها على حساب الغالبية السنية الناطقة بالعربية في سوريا ساريا خلال النصف الأول من القـ.ـرن العشرين.

كان خروج الاحتـ.ـلال الفرنسي من الأراضي السورية سنة 1946 وتسارع وتيرة التحديث والتصنيع قد خفّف من حـ.ـدة الأقلـ.ـيات في المسألة السياسية والاجتماعية إلى حـ.ـدٍّ ما، لكن الأحـ.ـزاب السورية التي نشأت في تلك الفترة كانت لا تزال تعكس مصالح جهوية أو إقليمية، وكثير منها تركّز في مناطق محددة دون غيرها من سوريا، الأمر الذي أدّى إلى استمرار النـ.ـزعة الطـ.ـائفية بالرغم من خفوت حدّتها زمن الانتداب الفرنسي.

وساعد على تفكـ.ـيك هذه الروابط العصـ.ـبية والدينية والعـ.ـشائرية والجهوية في بادئ الأمر إنشاء حز ب البعث في العام 1940م على يد ميـ.ـشيل عفلق وصلاح الدين البيطار، المعلمين الدمشقيين البرجوازيين اللذين وضعا شعار الحرية والمساواة والاستقلال، متكئين على المبادئ الاشتراكية التي لاقت دعما من أهل القرى أكثر منه في المدن وفي القلب منها دمشق.

وقد شجع ميشـ.ـيل عفلق أبناء الأقـ.ـليات الدينية من المسيحيين العرب على الاندماج في هذا الحز ب الذي اتخذ المبادئ العلمانية الاشتراكية دون النظر للمكوّن الديني، وإن اعتبر الإسلام دينا يُشجِّع العروبة ويعمل على وحدتها، وكانت مقالات ميشيل عفلق ورسائله مشجعة للسوريين بجميع طوائفهم.

إذ بيّنت لهم أن هذا الحز ب سيجعلهم متساوين في الحقوق السياسية والاجتماعية، الأمر الذي جعل الكثيرين من أبناء هذه الطوائف يسارعون في الانضمام لحز ب البعث العربي.

وعلى الرغم من أن حز ب البعث قد حُلَّ في العام 1958م بطلب من الرئيس المصري جمال عبد الناصر كشرط للوحدة بين مصر وسوريا، بل أُضـ.ـعِفَ بصورة تامة، فإنه مع تفـ.ـكك الجمهورية العربية المتحدة في سبتمبر/أيلول سنة 1961م، أُعيد تشكيل حز ب البعث من جديد من نواة البعثيين القدماء الذين ظل بعضهم في تنظـ.ـيم سـ.ـري في مناطق اللاذقية ودير الزور وحوارن، وكانوا على ارتباط قوي مع الضـ.ـباط البعثيين في الجيش السوري.

وفي 8 مارس/آذار 1963م قام تنظيم الضبـ.ـاط البعثيين بانقـ.ـلاب عسكري استـ.ـولوا فيه على مقاليد السلطة في البلاد، وقد لعب الدور البارز في نجاح هذا الانقـ.ـلاب التنظيم العسكري الذي تشكّل في مصر إبان عهد الوحدة، والمؤلَّف من الضباط محمد عمران وصلاح جديد وحافظ الأسد وأحمد المير وعبد الكريم الجندي، وقد أمسك هذا التنـ.ـظيم بمقاليد الدولة كافة، حتى نشاطات الأندية الرياضية والاجتماعية.

واللافت أن عدد أعضاء حز ب البعث المدنيين حين وقع انقـ.ـلاب أقـ.ـرانهم الضباط كان يقترب من 400 شخص فقط، وهو عدد قليل للغاية لتحمل مسـ.ـؤولية الحكم والسلطة في البلاد، ومن هنا قرّر المكتب التنظيمي لقطاع الحز ب المدني السوري الذي شُكِّل حديثا آنذاك زيادة أعضاء الحز ب المدنيين بدرجة كبيرة.

وأصدر قرارا في هذا الشأن بترقية أنصار الحز ب فورا إلى رتبة “عضو عامل”، مع حقّه في الاشتراك في انتخابات الحز ب، وترشيح أشخاص للعضوية، وفي العام التالي على انقـ.ـلاب 8 مارس/آذار تضاعف عدد أعضاء حز ب البعث خمس مرات، وتوضح وثيقة حزبية يرجعُ تاريخها إلى عام 1965م أن أي عضو جديد كان عليه أن ينتظر فترة أطول قبل أن يُصبح عضوا عاملا ثمانية عشر شهرا كنصيرٍ، ومدة مماثلة كعضو متدرب.

وقد استفاد بعض قادة الحز ب من إجراءات القبول المتساهلة هذه، وضمّوا أقرباء وأصدقاء ومعارف لجهاز الحز ب كأعضاء عاملين دون الحاجة إلى توافر معايير معينة مشـ.ـددة مثل مستوى معين من التعليم أو التعرف على المبادئ الأيديولوجية للحزب والالتزام بها.

علاوة على ذلك لم يكن هناك في الكثير من الحالات وثائق حزبية للتحقق من عدد وهُوية وأعضاء الحز ب السابقين، ورُتبهم في الحز ب وطريقة قبولهم، لذلك لم يكن الأمر عـ.ـسيرا على هؤلاء القادة وأنصارهم من تحويل تكوين بعض فروع الحز ب جذريا لمصلحتهم الشخصية.

ونتيجة لتلك السياسة تكوّن عدد من الكتل الحز بية والمصالح المتحالفة ارتبط أعضاؤها ببعضهم بعضا عن طريق خلفية إقليمية أو عـ.ــشائرية أو طـ.ـائفية مشتركة أكثر من كونها مبادئ عقائدية وأفكارا يجتمعون عليها.

أدّت هذه الطـ.ـائفية والحز بية وخلق تيارات مصالح داخل حز ب البعث إلى آثار خطيـ.ـرة لا تزال تعـ.ـاني منها سوريا إلى يومنا هذا، فقد أضعف الانضباط الحزبي، وسعى الجميع إلى الصـ.ـراع على السلطة من منطلق جـ.ـهوي أو طـ.ـائفي.

وما لبث أن ازداد عدد أعضاء الأقليات في سلك الجيش السوري على حساب الأغلبية السنية، وقام هؤلاء باستدعاء العديد من الضباط وضباط الصف الذين تربطهم بهم أواصر عائلية أو عـ.ـشائرية أو إقليمية لتعضيد مراكزهم الجديدة التي حصلوا عليها بصورة سريعة في انقـ.ـلاب 8 مارس/آذار 1963م.

ويبدو أن آثار هذه الطـ.ـائفية سرعان ما أفصحت عن وجهها القـ.ـبيح داخل حز ب البعث ذاته، حيث جاء في النشرة الدورية للحز ب في سنة 1966م، تحت عنوان “أز مة الحز ب وحركة 23 شباط” ما يلي:

“ألحّت ظروف الثـ.ـورة الأولى ومرحلتها الصـ.ـعبة على دعوة عدد كبير من العسكريين الاحتياطيين، حزب يين ومؤيدين، لملء الشواغر التي نجمت عن تصفـ.ـيات الخصـ.ـوم، ولتدعيم مواقف الثـ.ـورة (انقلاب 8 مارس/آذار) وحمايتها، ولم يسمح ذلك الإلحاح آنذاك باعتماد أسس موضوعية في عملية الاستدعاء، وإنما كانت عوامل الصداقة والقرابة وأحيانا مجرد المعرفة الشخصية هي الأساس، مما أدّى إلى تسـ.ـرّب عدد معين من العناصر الغريبة البعيدة عن منطق الحز ب ومنطلقاته، وسبّب بالنتيجة استخدام هذا الموضوع سـ.ـلاحا للطـ.ـعن في نيّات بعض الرفاق والتشـ.ـكيك بهم”.

واللافت أن معظم العسكريين الذين استُدعوا بهذه الطريقة كانوا ينتمون إلى الأقليات العلوية والد روز والإسماعيلية.

ولم يكن الأمر مثـ.ـيرا للاستـ.ـغراب، إذ إن معظم أعضاء اللجنة العسكرية البعثية المشرفة على نشاطات التنظـ.ـيم العسـ.ـكري البعثي كانوا من أعضاء تلك الأقـ.ـليات، وكان تسعة 9 ضباط من أصل 15 ضـ.ـابطا من هذه الأقليات من بين أعضاء اللجنة العسكرية الحاكمة للبلاد آنذاك.

وجاء أوج احـ.ـتكار البعثيين للسلطة في 18 يوليو/تموز 1963 عندما قامت مجموعة معظمها من الضباط الناصريين من الأغلبية السنية تحت قيادة الضباط جاسم علوان بانقـ.ـلاب فـ.ـاشل، لما رأوه من سيطرة مطلقة للأقـ.ـليات وعلى رأسها العلويون لمقاليد السلطة، وتغلـ.ـغلهم وأقاربهم وأبناء طوائفهم في المناصب المفصلية المدنية والعسكرية.

وكان معظم الضباط الذين أخـ.ـمدوا هذا الانقـ.ـلاب، مع إراقـ.ـة الد ماء، ينتمون لأقليات وكان من بينهم ضباط علويون لعبوا دورا متميزا في هذا الشأن.

كان انقـ.ـلاب الناصريين السنة الفاشـ.ـل في يوليو/تموز 1963م البداية الحقيقية للصـ.ـراع على السلطة بين قادة اللجنة العسكرية البعثية، حيث لجأ هؤلاء القادة بهـ.ـدف تقوية مراكزهم إلى زيادة أعداد العسكريين الموالين لهم على أسس طـ.ـائفية أو عشائرية أو إقليمية، وبسبب ذلك قُوِّضت بنية القيادة والانضباط داخل الجيش السوري.

وفي غضون عام 1966م كتب الدكتور منيف الرزاز الأمين العام للقيادة القومية لحز ب البعث قائلا: “إن روائح التكتيل الطـ.ـائفي المقصود بدأت تفوح، وبدأ الحديث عنها أول الأمر، همسا، ثم بدأت الأصوات في الارتفاع حين ظهرت بوادر مادية تسند الاتهـ.ـام”.

وبدأ التمـ.ـييز ضـ.ـد السنة، حين سُرِّح أعداد كبيرة منهم عقب انقـ.ـلاب 8 مارس/آذار، ثم لدى تقدُّمهم للالتحاق بالكلية العسكرية ومراكز التدريب، فضلا عن التجـ.ـنيد للانضمام لحز ب البعث، فقد كان العلويون والدروز والإسماعيلية والأرثوذكس في المقابل يحظون بمركز متميز على الدوام في المعاملة في معظم الحالات.

وعلى الرغم من أن رئيس البلاد ورئيس المجلس العسكري ووزير الدفاع والداخلية كان سنيا وهو أمين الحافظ، فإن الضباط العلويين البارزين أمثال صلاح جديد وحافظ الأسد قد حظوا على الدوام بمساندة جماعات عسكرية قوية من الأغلبية العلوية في الجيش التفّت حولهم، لا سيما بعد إبعاد اللواء العلوي محمد عمران عن البلاد، وكان صلاح جديد قد ارتقى لمنصب رئاسة أركـ.ـان الجيش.

واعتبارا من النصف الثاني من عام 1965م أصبح اتهـ.ـام الرئيس أمين الحافظ لرئيس الأركان صلاح جديد علنيا بأنه يعمل على بناء كتلة علوية طـ.ـائفية داخل الجيش، الأمر الذي أدّى إلى وجود كتـ.ـلتين داخل الجيش السوري عملت كلٌّ منهما لضمان بقائها ومصالحها، وهما السنيون الملتفون حول أمين الحافظ، والعلويون الملتفون حول صلاح جديد وحافظ الأسد.

وقد أدّى هذا الاستقـ.ـطاب العلني والطـ.ـائفي داخل الجيش السوري وحز ب البعث بين السنة والعلويين إلى وقوع انقـ.ـ.لاب 23 فبراير/شباط سنة 1966م، بقيادة العلويَّيْنِ صلاح جديد وحافظ الأسد والدرزي سليم حاطوم، فقُضي على أمين الحافظ بالسجـ.ـن ثم بالنفي إلى لُبنان بعد هـ.ـزيمة يونيو/حزيران سنة 1967م.

وكان من نتائج الانقـ.ـلاب المباشرة تولّي صلاح جديد منصب أمين عام مساعد للقيادة القُطرية لحز ب البعث، أما حافظ الأسد فقد ترقى من قيادة سـ.ـلاح الطيران ليصبح وزيرا للدفـ.ـاع، كل هذا من خلف رئيس مدني صوري لم يكن يملك من أمره شيئا هو نور الدين الأتاسي ذلك المنصب الذي خُصص للسنة آنذاك.

كما أسفر الانقـ.ــلاب الجديد عن تصـ.ـفية بعض جماعات الضباط السّنيين البارزة، ثم تمَّ تسريح أهم أعضاء كتلة وزير الدفاع السابق محمد عمران، وفي غضون عام 1966م تم تصـ.ـفية هؤلاء أيضا بصورة رسمية، وكان أغلب هؤلاء الضباط الذين تمت تصفـ.ـيتهم من أبناء السُّنة.

ولقد نتج عن هذا الانقـ.ـلاب وسياساته ازدياد تمثيل أعضاء الأقـ.ـليات الدينية مرة أخرى، لكن هذه المرة دون توازن واضح، وفي غياب كبير للمكون السني ذي الأغلبية النسبية في البلاد، بل أصبح العلويون والدروز والإسماعيليون والأرثوذكس هم الطرف الأقوى في معادلة الحكم الجديدة، سواء في الحز ب أم في الجيش.

كان استبعاد سليم حاطوم الضـ.ـابط الدُّرزي من مكاسب انقـ.ـلاب 23 فبراير/شباط 1966م، بل وبقاؤه على رتبته السابقة للانقـ.ـلاب، وعمله في حراسة مبنى الإذاعة والتلفزيون السوري، وهو الذي أقدم على هذا الانـ.ـقلاب وكان صاحب اليد العُليا في نجاحه، مع صعود العلويين بقيادة صلاح جديد وحافظ الأسد، قد أثـ.ـار نقـ.ـمته وحفيظته.

إذ أدرك مدى الخـ.ـيانة والخـ.ـسارة التي تعرض لها، فراح يُجمع شـ.ـتات أمره من جديد، متحالفا مع الأعضاء القدامى المؤمنين بمبادئ المؤسسين للحز ب ميـ.ـشل عفلق والبيطار، ومُلتجِئا هذه المرة إلى أفراد طائفته من الضباط الدروز وبعض قيادات السنة في الجيش آنذاك، لكن محاولته باءت بالفشـ.ـل والانكشاف وذلك في سبتمبر/أيلول 1966م.

وكان صلاح جديد وحافظ الأسد يملكون القوة الكبرى في الجيش السوري فضلا عن سـ.ـلاح الطيران الذي أجبر سليم حاطوم على الهر ب واللجوء إلى الأردن.

وقد قُبِض على حاطوم بعد هـ.ـزيمة يونيو/حزيران 1967م، حيث دخل إلى سوريا ظنًّا منه أن صفحة الماضي قد طويت، وأن رفاقه القدامى سيتّحدون معه من جديد بعد الهـ.ـزيمة، لكن ما حدث كان العكس؛ إذ عُـ.ـذِّب تعـ.ـذيبا شـ.ـديدا ثم أُعد م رميا بالرصـ.ـاص في 26 يونيو/حزيران 1967م.

وبهذا تُخُلِّص من أهم الجماعات أو الكتل المنـ.ـاوئة للعلويين في الجيش من الضـ.ـباط والقيادات السنية والدُّرزية المناوئة، إما بالسجـ.ـن والنـ.ـفي وإما بالقـ.ـتل والتصـ.ـفية، ودخلت سوريا في منعطف النكـ.ـسة والهـ.ـزيمة فخـ.ـسرت الجولان والقنيطرة.

وكان من اللافت أن وزير الدفاع حافظ الأسد قد رقَّى نفسه آنذاك من رتبة لـ.ـواء إلى فريق في ظل أجواء الهـ.ـزيمة المذ لة تلك، كما يروي الرئيس السوري الأسبق أمين الحافظ في شهادته على العصر.

وبهذا أصبح العلويون سادة الجيش السوري، بل والسلطة في البلاد موزعة بين صلاح جديد المسيطر على الحز ب والحكومة والجناح المدني، وحافظ الأسد المسيطر على الجيش والأجهزة العسكرية، لكن سرعان ما ظهرت الخلافات العلنية بين الرجلين في التوجهات الإقليمية والفكرية وقتها بعد هـ.ـزيمة يونيو.

وعمل حافظ الأسد في أثناء عام 1968م على إحكـ.ـام سيطرته على الجهاز العسكري، واستطاع أن يفصله عن قيادة الحز ب المدنية، كما أصدر أوامره بمنع أعضاء القيادة القُطرية أو مسـ.ـؤولي الحزب المدنيين الآخرين من زيارة أقسام تنظيم الحز ب العسكري أو القيام باتصالات مباشرة مع قطاع الحز ب العسكري، كما مُـ.ـنِع ضباط الجيش بدورهم من إجراء أي اتصالات مباشرة مع سياسيي الحز ب المدنيين إلا عن طريق القنوات الرسمية لقيادة تنـ.ـظيم الحزب العسكري.

وهكذا خُلِقَت “ازدواجية السلطة” بين القائدين العـ.ـلويَّيْنِ، وكانت القطيعة بين الفريقين حين استطاع حافظ الأسد منع أي اتصالات بين الجانبين منذ فبراير/شباط 1969م، ويصفها نيقولاس فان دام “بما يشبه الانقـ.ـلاب العسكري”، ثم استطاعت قوات الأسد السيطرة على مبنى إذاعة دمشق ومبنى إذاعة حلب، بالإضافة إلى مكاتب أكبر جريدتين سوريتين “البعث” و”الثـ.ـورة”، وفـ.ـرض الرقـ.ـابة العسكرية على نشرات الأخبار والتعليقات السياسية وجميع البرامج السياسية والثقافية والإعلامية.

استمرت معـ.ـركة كـ.ـسـ.ـر العظام بين الفريقين، كان الطرف الأقوى فيها حافظ الأسد الذي كان يسيطر على وزارات السـ.ـلاح، ويقضي على ذوي المناصب الاستخـ.ـبارية والعسكرية المؤيدة لصلاح جديد ونور الدين الأتاسي.

ليفرض حافظ الأسد كلمة الفصـ.ـل والنهاية بانقـ.ـلاب عسكري ألقى فيه القـ.ـبض على صلاح جديد والأتاسي في 13 نوفمبر/تشرين الثاني سنة 1970م، وبعدها بعام واحد فقط يعلن نفسه كأول رئيس علوي للجمهورية السورية، يبدأ فيها فصلا جديدا من احتـ.ـكار وتو ريث السلطة في الطـ.ـائفة العلوية، بل وفي بيت حافظ الأسد.

حافظ الأسد (مواقع التواصل)

لتدخل سوريا منذئذ إلى حقبة دولة الطـ.ـائفة – العائلة، وذلك على الرغم من تقلُّد الضباط التابعين لطـ.ـوائف دينية غير علوية مهامَّ عسكرية عليا لكن بصورة شكلية أو صورية مثل مصطفى طلاس وناجي جميل وغيرهم.

في مقابل أغلبية علوية ارتقت إلى المناصب المفصلية والحـ.ـسّاسة في الدولة السورية، وكانت على الدوام منذ ذلك التاريخ قادرة على سحـ.ـق أي مقـ.ـاومة أو انقـ.ـلاب محتمل يُهـ.ـدِّد من وضع الجمهورية “العـ.ـلوية” الجديدة.

تلك كانت قصة نشأة الطـ.ـائفية الد موية في سوريا الحديثة، طـ.ـائفية جرَّت البلاد إلى الخـ.ـراب والد مار والحـ.ـرب والاقتـ.ـتال الأهلي، بدأها الفرنسيون والروس والإنجليز منذ نهاية الحقبة العثمانية، وخُتمت على يد الروس والأسد والإيرانيين وغيرهم.

خاتمة لا تزال مشاهدها المحـ.ـرقة تُلـ.ـهب سوريا من شمالها إلى جنوبها، حتى أمسَت خطـ.ـرا يُهـ.ـدِّد العالم كله، ويجعل سوريا ساحة لتصـ.ـفية الحسابات على أنقـ.ـاض مقدّراتها وشعبها ودمـ.ـائها البريئة النـ.ـازفة.

المصدر : الجزيرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى