أخبار المشاهير

قاتـ.ـل الروس حتّى نفدت الذخـ.ـيرة.. فكرّمه الأعـ.ـداء! قصّة غازي عثمان أعظم قادة العثمانيين في القـ.ـرن الـ19

قاتـ.ـل الروس حتّى نفدت الذخـ.ـيرة.. فكرّمه الأعـ.ـداء! قصّة غازي عثمان أعظم قادة العثمانيين في القـ.ـرن الـ19

أخبار اليوم-أخبار المشاهير

فريق المتابعة والتحرير

إذا زرت إسطنبول أو أيّ مدينةٍ تركيةٍ أخرى فإنّك ستسمع العديد من أسماء القادة والرؤساء الذين تتسمّى بهم الشوارع والمستشفيات والمؤسسات، وأحد هذه الأسماء الشهيرة جداً غازي عثمان باشا، ذلك القائد الفذّ الذي قـ.ـاوم الجيش الروسي الضخم الذي يحـ.ـاصره منذ 5 شهور، بل كاد يهـ.ـزمه بجيشه الذي لم يعد يملك ذخـ.ـيرة بسبب الحصـ.ـار القـ.ـاسي.

قصّة هذا القائد فريدة جداً، ولا تتكرّر كثيراً. نعم تكرّر في التاريخ أن يحترم الأعـ.ـداء بعضهم بعضاً، بسبب بسالتهم وشجاعتهم، لكنّ ما لم يتكرّر كثيراً هو شجاعة غازي عثمان باشا الاستثنائية أثناء حـ.ـصار الروس له ولقـ.ـواته في مدينة بليفنا في بلغاريا.

روسيا.. العـ.ـدوّ اللـ.ـدود للعثمانيين

منذ أن ظهرت روسيا في القـ.ـرن السابع عشر على مسرح الأحداث باعتبارها قوّةً عالمية تحاول أن تحـ.ـجز لها مكاناً ضمن مقاعد الدول العظمى في ذلك الوقت، وكان عـ.ـدوّها اللـ.ـدود هي الدولة العثمانيّة.

ليس فقط لأنّ الروس اعتبروا أنفسهم وريثي الدولة البيزنطية والمسيحية الأرثوذكسية، وبالتالي فهم يطالبون ويخططون لأخذ إسطنبول، باعتبارها كانت موطن الأرثوذكسية طيلة قـ.ـرون، ولكن لأنّ الموقع الاستراتيجيّ للدولة العثمانية منع روسيا من أمورٍ كثيرة.

على مرّ العصور كانت روسيا دولةً بريّة ضخمة ومترامية الأطراف، لكنّها لم تكن يوماً دولةً بحريّة، فمنافذها البحرية على المحيط الهادئ في الشرق وعلى بحر البلطيق في الغرب، يمنعها الثلج في فصل الشتاء من أن تكون موانئ بحريّة، وهكذا كان السعي الروسي عبر التاريخ يتمثّل في: توفير تواجد بحري لها في المياه الدافئة، ما يعني البحر المتوسّط.

كانت الدولة العثمانية (وتركيا الحالية) تاريخياً هي الحائل بين روسيا من ناحية وبين البحر المتوسّط، ومهما اختلفت الحكومات أو السلالات الحاكمة، كانت تركيا بموقعها الحالي تمثّل أز.مةً بالنسبة لروسيا.

كان المعبّر الحقيقي عن هذه الأز.مة أو العَـ.ـثَرة هو بطرس الأكبر، ويعتبر أحد أعظم من حكم روسيا عبر التاريخ. حكم بطرس الأكبر 40 عاماً، من عام 1682 وحتى عام 1725، وفي سنين حكمه برزت روسيا قوةً عالميةً عظمى.

وقد كتب بطرس الأكبر عدّة وصايا لخلـ.ـفائه، التالي: “ينبغي التقرُّب بقدر الإمكان من إسطنبول، فمن يتحكّم في إسطنبول يمكنه حقيقةً التحكُّم في بقية العالم، ولذلك ينبغي لنا أن نحـ.ـارب الدولة العثمانية دائماً”.

الحـ.ـرب الروسية العثمانية.. 15 عاماً من السلام لا تكفي

يمكن لنا اختصار خطوات الحـ.ـروب بين الدولة العثمانية وروسيا القيصرية كالتالي: تترصّد روسيا فرصةً من الفرص للتدخُّل في شؤون الدولة العثمانية، فتردّ الدولة العثمانية، فتقع الحـ.ـرب، فتفرض الحـ.ـرب واقعاً جديداً على كلا اللاعبين، وهذا ما حدث تماماً في الحـ.ـرب الروسية العثمانية التي وقعت بين عامي 1877 – 1878.

إذ كانت تلك الحـ.ـرب نتيجةً للحـ.ـرب السابقة التي وقعت بين الدولتين: حـ.ـرب القرم (1853 – 1856)، فقد انتهت تلك الحـ.ـرب بخـ.ـسارة روسية كبيرة، فقد دعمت بريطانيا وفرنسا الدولة العثمانية في مواجـ.ـهة روسيا بتوقيع اتفاقية باريس في 30 مارس 1856.

اعترفت الاتفاقية بالاستقلال الذاتي لرومانيا داخل إطار الدولة العثمانية، لكنّ الخـ.ـسارة الكبرى لروسيا أنّها لم يعد لها موطن قدم في البحر الأسود، الذي باتت الدولة العثمانية تتحكم فيه بشكل شبه كامل.

وفي عام 1877 كانت الفرصة مواتية لروسيا لشـ.ـنّ حـ.ـربٍ أخرى غير تلك التي كانت نتائجها غير مرضية لها، فقد فـ.ـشل مؤتمر ترسانة الذي عقد في 1876 للوصول لحلّ بين الدولة العثمانية والقوميين الصرب الذين أرادوا الانفـ.ـصال عنها، ولمّا فشـ.ـل المؤتمر، فقد كان فرصةً لروسيا لتبدأ حـ.ـرباً جديدة تفرض من خلالها واقعاً جديداً، فكانت الحـ.ـرب الروسية العثمانية.

انطلق الجيش الروسي يضمّ المدينة تلو الأخرى، حتّى احتلوا مضائق البلقان الموصلة لمضيق شيبكا، وإذا سيطر الجيش الروسي إلى مضيق شيبكا فإنّ العاصمة نفسها ستكون في خطرٍ مُحدق.

اتخذ السلطان عبدالحميد الثاني – الذي تولى السلطنة منذ شهور فقط – إجراءات فورية لمواجـ.ـهة روسيا، فعزل بعض القيادات واستدعى بعض الجيوش من جبـ.ـهاتٍ أخرى ليواجـ.ـهوا روسيا، وهكذا تمّ استدعاء عثمان باشا من معسـ.ـكره لمساعدة مدينة نيكوبوليس على الحـ.ـدود الرومانيّة، لكنّ المدينة كانت قد سقـ.ـطت في أيدي الروس، وعندما وصله الخبر وصل إلى عسـ.ـكر في بليفنا البلغارية.

معـ.ـركة بليفنا.. غازي عثمان باشا يردّ الروس بضـ.ـراوة

أقام عثمان باشا تحصـ.ـيناتٍ ومعـ.ـاقل دفاعية قوية للغاية، لم يتوقعها الجيش الروسي، وهكذا قرّر الجيش الروسي مهـ.ـاجمة المدينة لكنّ عثمان باشا وجـ.ـنوده استطاعوا صـ.ـدّهم، وكانت خـ.ـسائر الروس في هذا الهـ.ـجوم تقارب 3 آلاف قتـ.ـيل.

وما هي إلا عشرة أيام أخرى حتّى عاود الجـ.ـيش الروسي محاولته اقتـ.ـحام المدينة، بحوالي 50 ألف جندي و184 مدفعاً، لكنّهم لم يستطيعوا دخول المدينة أيضاً، وكانت خـ.ـسائرهم 7305 قتـ.ـلى، وفق ما ذكره المؤرخ التركي يلماز أوزتونا في كتابه “تاريخ الدولة العثمانية”.

في المقابل، كانت خـ.ـسائر غازي عثمان باشا 100 قتيـ.ـل و400 جـ.ـريح. وبهذا الانتصار الثاني أصبحت بليفنا مركزاً تحولت له الانظار، ووصل الكثير من مراسلي الحـ.ـرب والملحقين العسـ.ـكريين الأوروبيين لمتابعة الوضع على الجبـ.ـهة.

في هذه الأثناء، وبعدما صـ.ـدّ عثمان باشا الهـ.ـجومين، تواصل المدد من جميع الجهات، وانقلب الوضع لبعض الوقت، فقد بدأت القوات العثمانية بالهجـ.ـوم بدلاً عن الدفاع.

انقسـ.ـم الجيش العثماني إلى ثلاث جـ.ـبهات، الأولى انضمّ إلى عثمان باشا في بليفنا، والثانية انطـ.ـلق لمواجـ.ـهة الجيش الروسي الذي يقوده ولي العهد الروسي، والثالثة انطـ.ـلق لاسترداد مضيق شيبكا.

وكاد الأمر يتمّ للعثمانيين لولا انقـ.ـلاب الأمير الروماني هوهنزولرن على العثمانيين وانضمامه للروس.

ركّز الروس هجـ.ـومهم لأخذ مدينة بليفنا، لما لها من موقعٍ استراتيجيّ، وكذلك لما لها من رمزية بعدما استطاع عثمان باشا صـ.ـدّ الهجـ.ـوم الروسي مرتين. فقرروا إطـ.ـلاق هجـ.ـومٍ شامل مرة ثالثة على بليفنا في شهر سبتمبر/أيلول. استمرّ الهـ.ـجوم 12 ساعة، وانتصر غازي عثمان باشا مرة ثالثة وصـ.ـدّ الهـ.ـجوم.

كانت خـ.ـسائر الروس في هذه المرة أضخم، فقد خـ.ـسروا أكثر من 15 ألف قتـ.ـيل، منهم 3 جنرالات و 350 ضـ.ـابطاً. بينما كانت خـ.ـسائر عثمان باشا 3500 قـ.ـتيل وجـ.ـريح.

بدأ حصار بليفنا الشامل في 24 أكتوبر/تشرين الأول عام 1877، وبهذا أصبح وصول الإمداد لهذه المدينة مستحيلاً.

لكنّ عدم وصول الإمدادات لم يثنِ غازي عثمان باشا عن الدفاع عن المدينة، فوقوعها في يد الروس يعدُّ كـ.ـارثةً للدولة العثمانية، خصوصاً بعد خروج رومانيا وأميرها عن السلطة العثمانية بانضمامه للروس. فالسيطرة على مدينة بليفنا البلغارية يجعل الطريق مفتوحاً للعاصمة العثمانية نفسها، إسطنبول.

خلال شهرين من الحصار المُحكم، نفذت الذخـ.ـائر والمؤمن من معسكر العثمانيين، هل يستسلم؟ ماذا لو فعل؟ ستقع المدينة في يد الروس، وستضيع الشهور الخمسة التي دافع فيها عن المدينة وصـ.ـدّ هجـ.ـومين هباء.

قرّر عثمان باشا أن يخرج هو وجـ.ـنوده بما تبقّى معهم من سلاحٍ وذخـ.ـيرة، خارج المدينة، ليواجـ.ـهوا مصـ.ـيرهم، فإمّا أن يقـ.ـتلوا أو يسلموا، وهكذا خرج الجيش يوم 10 ديسمبر/كانون الأول 1877. أخلت الجنود مواقعها في القلاع المحيطة بالمدينة، وخرجوا جميعاً في طريقٍ واحد ومسيرةٍ واحدة.

وهكذا خرج غازي عثمان باشا على رأس جيشه في مسيرةٍ ليلية إلى الجيش الروسي، واستطاع الجنود العثمانيون الوصول للاستحكامات الروسية التي حول المدينة.

سيطر الجنود على مدافع خطّ الاستحكامات الأوّل، ومدافع خطّ الاستحكامات الثاني، وكادوا أن يسيطروا على خطّ الاستحكامات الثالث. لكنّ عثمان باشا أصـ.ـيب برصـ.ـاصة في فخذه اليسرى، قتـ.ـلت حصانه. وهكذا وقع القائد عن فرسه، واضـ.ـطرب الجند وظنوا أنّه قد قتـ.ـل.

حاول الجنود أن يعودوا أدراجهم لأسوار المدينة، لكنّ الروس كانوا قد سيطروا عليها، فأصبح الجنود بين نـ.ـارين. وبالإجمال، كانت نتيجة هذه المـ.ـعركة مقـ.ـتل 2500 جندي عثماني، وجـ.ـرح 3500.

قابل القيصر الروسي غازي عثمان باشا بنفسه، وأعاد له السـ.ـيف احتراماً وتقديراً لبسالته وشجاعته واستماتته في الدفاع عن المدينة.

اقتيد غازي عثمان باشا مكرماً إلى روسيا، حيث تمّ التعامل معه معاملة الضيوف وليس أسرى الحـ.ـرب، بينما اقتيد الجنود المستسلمون أسرى حـ.ـرب.

ظلّ عثمان باشا في روسيا حتّى نهاية الحـ.ـرب، التي انتهت بمأسـ.ـاة محققة للدولة العثمانية، فقد وضعت الحـ.ـرب نهايةً للنفوذ العثماني في البلقان، وأخرجت رومانيا من التبعية للدولة العثمانية، كما أوقعت بعض المناطق في القوقاز والبحر الأسود في يد روسيا.

كانت معـ.ـركة بليفنا المـعـ.ـركة المركزية في تلك الحـ.ـرب، فصـ.ـمود غازي عثمان باشا وجنوده فيها اجتذب أنظار العالم.

أعطى السلطان عبد الحميد لعثمان باشا لقب غازي، وقرّبه إليه وجعله مستشاره.

استمرّ حصار بليفنا 4 أشهر و23 يوماً، وكانت القـ.ـوات الروسية 150 ألف جندي و600 مـ.ـدفع، بينما كان جيـ.ـش غازي عثمان باشا 30 ألف جندي ويمتلك 58 مدفعاً فقط.

عاش غازي عثمان باشا في العاصمة إسطنبول، حتّى توفي عام 1900. لكنّه سجّل اسمه في التاريخ باعتباره أحد أعظم القادة المسلمين في العصر الحديث.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى